النويري
14
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكانت أمه تدبّر أمره ، فقتل كلّ من كان مع شمرود . وطلب شمرود حتى ظفر به ، واجتمع الناس لينظروا ما يصنع به ، فشدّ رأسه برأس أسطوانة قائمة ، ورجلاه برأس أسطوانة أخرى . وكان طوله فيما يذكر القبط عشرين ذراعا ، ووكَّلت الساحرة به حرسا لتقتله يوم عيدها ، وكان قريبا ، فصاح بالليل صيحة مات منها بعض الحرس وهرب الباقون . فلمّا اتّصل بها ذلك أوقدت نارا وأمرت بإنزاله وجعلت تقطع منه عضوا عضوا وترميه في النار . قال : وخرج « 1 » ابنها كاهنا منجّما ، وعملت له الشياطين قبّة الزّجاج الكبيرة الدائرة على دوران الفلك ، وصوّروا عليها صور الكواكب ، وكانوا يعرفون الطالع منها وما يحدث بطلوعه بعد ستين سنة . ثم ماتت أمّه الساحرة وأوصت أن يجعل جسدها تحت صنم القمر فإنه يخبرهم بالعجائب وما يسألون عنه ففعلوا ذلك . وذل الناس لابنها وهابوه ، وكان يتصوّر لهم في صور كثيرة ، وملكهم مائة سنة وستين سنة . ولمّا حضره الموت أمرهم أن يعملوا له صنما من زجاج على شقّين ويطبق على جسده بعد أن يطلى بالأدوية الممسكة ويلحم ويقام في هيكل الأصنام ، ويجعل له عيد في السنة ويقرّب له قربان ، وتدفن علومه وكنوزه تحته ، ففعلوا ذلك كله . ولمّا مات ملك بعده ابنه شرناق « 2 » بن توميدون ، فعمل بسيرة أبيه وجدّته ، واجتمع الناس عليه . وزحف رجل من بنى صرابيس « 3 » بن إرم من ناحية العراق ، فتغلَّب
--> « 1 » عبارة المقريزي ( ج 3 ص 16 طبعة فييت ) : « وقام بوسيدون بن قدرشان بالملك في مدينة أمسوس ، وكان عالما فاضلا ، فقوى بسحر أمه وعملت له أعمالا عجيبة ، منها قبة من زجاج على هيئة الكرة تدور بدوران الفلك ، وصورت فيها صور الكواكب . فكانوا يعرفون بها أسرار الطبائع وعلوم العالم . فلما ملتت أمه الساحرة بعد ستين سنة من ملكه طلى جسدها بما يدفع عنه النتن والحشرات ، ودفن تحت صنم القمر . ويقال إنها كانت بعد موتها يسمع من عندها صوت بعض الأرواح فتخبرهم بعجائب وتجيب عما تسأل عنه » . « 2 » في المقريزي : « سرباق ويقال فيه شرباق » . وقد أوردت هذا الاسم عدّة مصادر بصور مختلفة . « 3 » في المقريزي : « من بنى فراشي بن آدم ، ويقال من بنى صوانيتى بن آدم » وقد أوردت هذين الاسمين عدّة مصادر بصور مختلفة .